تبعات الذكاء وسط مجتمع جاهل




  خلال هذه الأيام المؤلمة الّتي اجتاح خلالها العالمَ فيروسٌ يفتك بالناس دون وضع أديانهم، ألوانهم، أعراقهم، أشكالهم أو مكاناتهم الاجتماعية بعين الحسبان، برز دور الأطباء في كلّ العالم، أثبتت بعض الدول ككوبا قوّة أنظمتهم الصحية، وأخرى كُشف تدنّي قطاعاتهم الصحية ولم يكُ للحكومات الّتي تعاني من هذا الوقت الكافي لتصحيح الأخطاء السابقة الّتي أدّت لانهيار بلدانهم في ظلّ هذه الأزمة.
  ولكن، هناك دومًا جانب منير في كلّ شيء حتّى الأزمات، فقد دفع هذا الفيروس بالعديد من الطاقات العلمية المكبوتة سابقًا للبروز وإرغام الجميع على الإصغاء لهم، وتنصيبهم منصبهم المستحقّ من التقدير والاحترام. ومن بين الدول العديدة الّتي أزيل الستار فيها عن النخبة المتستّرة نجد الجزائر، هذه الدولة القارة الّتي بسبب ضعف نظامها الصحي تجري من الفحوصات للكشف على المصابين بكوفيد 19 أسبوعيًّا ما يساوي عدد الفحوصات الّذي تجريه بعض دول الخليج العربي وآسيا وأوروبا والأمريكيتين في أقل من ساعة واحدة. في الجزائر، برز من بين الطاقات الكثيرة "محمد لطفي مخناش"، شاب صاحب مؤسّسة ناشئة نجح في تطوير أرضية رقمية لرصد ومتابعة فيروس كورونا في الجزائر تطوّعًا في غضون ثلاثة أيام بالضبط بعد أن أخذ الضوء الأخضر من وزير العمل د. عاشق يوسف، وهو ما يعدّ واحدًا من الأعمال البطولية والّتي اُعتبرت –تقريبا- مستحيلة من قبل. "محمد" رجل ملتحي دومًا ما يظهر مرتديًا قميصًا عربيًّا، "لطفي" أيضَا تمّ استقباله من قبل إطارات وزارة الصحّة الجزائرية للاستماع إليه، وحتّى أنّ التلفزيون العمومي الجزائري بثّ اجتماعًا عقده وزير الصحة الجزائري رفقة نخبة الأطباء والمهندسين المعلوماتيين للنظر في أفكار "مخناش" والاستفادة ممّا يمكنه أن يعرض على الجزائر. "محمد" الّذي عُرض على شاشات التلفاز كان همّه كما صرّح للعديد من الوكالات الإعلامية هو
 ‘‘أن يقدّم ما يقدر عليه لمساندة بلده في محاربة الأزمة الصحية الّتي يمرّ بها‘‘
لكن ليس هذا ما ركّز عليه الجمهور المتابع للأحداث والّذي ترك الحدث الأساسي وهو إنقاذ البلاد والعباد، وانتقل لموضوع هيئة "محمد"، أطلق عليه البعض وصف "السلفي" لإطلاقه لحيته وارتدائه القميص العربي، بينما لا يدرون حقًّا أيّ فرقة يتّبع الرجل أومذهب!، تحدّى به الإسلاميون العلمانيين قائلين: آتوا بنصف ما أتى "بولحية" إن استطعتم!، بينما جلس العلمانيّون مكفوفي الأيدي، لا يجدون ردًّا على الإسلاميّين لأنّ بعضًا من مشهوريهم سبق أن ادّعوا بأنّ الدين  لا يسبب غير الرجعية والتخلّف، حتّى أتى "محمد" بلحيته عصف بهم وادّعاءاتهم.
  لكن السؤال المطروح حقًّا، أَفَكّر محمد بكلّ هذا عندما قرّر التضحية بوقته، وماله، وجهده وصحّته ووضع نفسه في الصفوف الأولى لمحاربة الفيروس؟ أَفَكّر في الإسلاميين وكيف سيتحجّجون بلحيته وقميصه دون أن يتلفّتوا لعمله المذهل، أو العلمانيّين الّذين اتّهموا كلّ ما له علاقة بالإسلام بالتخلّف؟
  أم كان محمد يبتغي إنقاذ الجزائر وكفى؟
  ربّما بعض التقدير لعمله كان ليكون كافيًا، وليس الالتفات لشخصه.. إنّ التركيز على المظاهر وترك العقول هو سبب تخلّف الأمم ودمارها حتمًا!  

تعليقات